يُحكى أن كان هناك حَمَلاً يعيش في مزرعة بعيدة مع أترابه الحملان، كان يعيش خانعاً يأكل ما يتوفر له من أعشاب خضراء، يصادق حملاناً آخرين، يلهو صباحاً في الشمس ليعود مساءً ينام في المزرعة دون أن يسبب مشاكل لأحد. كانت الأيام تشابه بعضها، ما بين الشمس، الأعشاب الخضراء، الحملان الصغيرة الأخرى و أسوار المزرعة.
في يوم من الأيام ، لم يداعب النوم جفون الحمل الصغير مساءً فذهب يتمشى قليلاً في المزرعة على أمل أن يرهقه المشي فيعود ينام نوماً هانئاً . ظل يمشي و هو يدندن مع نفسه مستمتعاً بالأعشاب الندية تحت قديمة و نسمة المساء الباردة.
و لكنه توقف فجأة عن المشي ووقف يتأمله من خلف الأسوار ، لطالما كان معجباً به ، لطالما كان منبهراً بمشيته الواثقة ، بخيلائه و غروره ، فهو لم يرَ حَملاً يمشي مغروراً مختالاً من قبل … و لكن كان يراه هو ..فينبهر بكل ما فيه …
ظل الحمل واقفاً يتأمل لمعان عينيه، شعره الغزير، حواسه المتيقظة دائماً، سرعة حركته و تركيزه، حدة نظرته و حسمها
كان يعشق أن يراه من بعيد ، لم يفهم أبداً لماذا هو سيء السمعة بين الحملان ، لماذا الجميع يحذره من الاقتراب منه ؟
كان يتمنى لو تجاذبا أطراف الحديث في يوم من الأيام. و قد أتي اليوم الموعود
ها هو ينظر في عينيه مباشرة و يسأله، ما اسمك ؟
الحمل: اسمي حمل، و أنت ما اسمك ؟
الذئب: اسمي ذئب…لماذا أنت لست في سريرك الآن، أنت تنام كل يوم في مثل هذا الوقت كل يوم
الحمل: أصبت بالأرق الليلة فذهبت لأتمشى قليلاً ، هل أنت متابع لمواعيد نومي و صحياني ؟ تساءل الحِمل و قلبه ينبض بقوة من اهتمام الذئب به.
الذئب: بالطبع لطالما كنت معجباً بوداعتك و هدوئك ، فمشيتك مثل النسيم ، لم أرَك تؤذي أحد و لا تتربص بأحد ، كم أنا مفتقد ذلك في عالم الذئاب الذي أعيش فيه. لكم هو مريح أن انظر فقط إلى وجهك الوديع و عينيك السابلتين.
أحس الحمل أن الدنيا تدور به، فهو لم يدرك أبداً أن مخلوق بعظمة و قوة الذئب، يُعجب به في يوم من الأيام
تعاهدا أن يلتقيا مساء كل يوم، كانا يتجاذبا أطراف الحديث، يعبر كل منهما عن إعجابه بالآخر و عشقه له.
و كان يوم نسى المزارع فيه باب المزرعة مفتوحاً، فكان بمثابة باب الحياة بالنسبة للحمل، أخيراً سوف يتمكن من أن يلمس ذلك الشعر الغزير و يرى هاتين العينين اللامعتين عن قرب.
خرج الحمل مع الذئب سعيداً ، تمشيا في المروج ، تكلما ، لعبا ، كان الذئب يخاف على الحمل و يحميه ، كان حقاً يحبه ، و يكبح زمام نفسه حتى لا يؤذيه بأي صورة. و كان الحمل يكره الأيام التي لم يحب فيها الذئب من قبل ، و لا يحتسبها من عمره ، كان يكره كل الحملان التي حذرته فيما مضى من الذئب ها هو معه منذ أيام عدة لم يؤذه و لم يجرحه ، بل كان يحميه و يخاف عليه ، مع الذئب كان الحمل يشعر بجمال وداعته و رقته، لم يجعله أحد يشعر هكذا من قبل ، و مع الحمل كان الذئب يشعر بنبله و عنفوانه كما لم يشعر مع أي كائن من قبل.
و قد كان يوم عاد في الذئب من رحلة صيد فاشلة، مُغَبراً غاضباً، يزّبدُ و يَصْفِر، أتي الحمل يهوّن عليه كعادته، فهو يحبه و يكره أن يراه غاضباً، و لكن الذئب من فرط غضبه أزاحه بعيداً فجرحه جرحاً عميقاً بمخلبه.
جُرِحَ الحمل، بكى ليس من فرط الألم، و لكن لأن من جرحه هو أحب المخلوقات على قلبه
و بكى الذئب لأنه عرف أنه مهما أحب الحمل، سيظل ذئب ذو مخالب و أنياب
قال الذئب …أريدك أن تعود إلى مزرعتك وسط أترابك، أخاف عليك من نفسي، اليوم جرحتك دون قصد، لا أدري ماذا يمكن أن يحدث غداً…لطالما منعت نفسي من ألتهمك ليس من فرط جوعي و لكن من فرط حبي فيك…عد من حيث جئت، عد إلى حياتك الهادئة السالمة حيث تنتمي قبل أن أؤذيك دون قصد ، و وقتها سوف أكره نفسي و أكره طبيعتي.
عرف الحمل أن وقت الذهاب قد حان، و عرف أن المخلب الذي ظهر اليوم من الذئب حتى و إن كان عن غير قصد سيتبعه ناب حاد، عرف أن تلك المخالب و الأنياب سوف تظهر من شدة التيه و اليأس و ليس عن قصد الشراسة و الغدر.
قال له الحمل ، لن أنساك مع حييت ، فأنت من أشعرتني أني قوي بضعفي ، و جميل بوداعتي.
و قال له الذئب، و أنا لم أشعر بضعف قوتي إلا معك، أحبك…
عاد الحمل إلى مزرعته حزيناً مجروحاً بجرحين كلٌ منهما سوف يترك ندباً أحدهما مازال دامياً على جسده و الآخر مازال يعتصر روحه.
سألوه أقرباءه من الحملان أين كنت طول هذه المدة، لقد قلقنا عليك حتى الموت
رد الحمل، تمشيت بعيداً في ليلة و تهت عن طريق الرجوع !
عاش الحمل بعد ذلك سنين طويلة حزيناً، سارحاً في تلك الأيام المعدودة التي قضاها مع الذئب…فهي سَلوْتِه و سِر قلبه الدفين.
لم يقرب ذلك السور مرة أخرى ، و لكنه كان دائماً يترك عينيه تبحثان خارجه على مرمى البصر ، لعلهما تلمحان الذئب صدفة من بعيد ، مجرد لمحة ، مجرد صدفة.
